نحو سودان أخضر (7-10) إدارة النفايات

*نحو سودان أخضر  .. متقدم  ومستقر 78*

(لا مستقبل للسودان دون المحافظة على البيئة واستدامة التنمية)

(التركيز على الإنسان .. لا الموارد ولا المكان، فهو وسيلة التنمية وغايتها)

 

*(7) إدارة النفايات*

د. عيسى محمد عبد اللطيف

مستشار العناية بالبيئة واستدامة التنمية

eabdellatif@yahoo.com

01 / 12 / 2019

بسم الله الرحمن الرحيم

بعد سلسلة المقالات التي نشرت، والتي تعتبر سلسلة عصف ذهني تضع القواعد والمُوجّهات الأساسية، أود أن أطرح مواضيع أكثر تخصصاً وتفصيلاً. ولكن لا بد من التذكير مرة أخرى بالثلاثة مبادئ الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة في السودان:

الأول: أن تنمية أي بلد مُعتمد على الموارد الطبيعية مثل السودان تبدأ من *الريف* وليس من المدينة ومن الأطراف وليس من المركز.

والثاني: أن عماد التنمية *الإنسان الصحيح العقل والنفس والبدن* و*المُسلّح بالمعرفة والثقافة*.

والثالث: أن أساس الصحة *الوقاية* وأساس الوقاية *الصحة العامة* وأساس الصحة العامة *صحة البيئة وجودة الماء والغذاء* .. ثم تأتي الرعاية الصحية الأولية والخدمة العلاجية، التي ستكون تكلفتها مضاعفة آلاف المرات في غياب الصحة العامة.

وأهم أساسيات الصحة العامة *مكافحة التلوث* ، وبما أن *النفايات الصلبة والسائلة* من أهم مصادر التلوث في القرى والمدن، فإن *إدارة النفايات والصرف الصحي* هي أولى أولويات خدمات الصحة.

وكمثال توضيحي نفترض أن هناك إنسان توفرت له كل أطايب الطعام والشراب فظل يأكل ويشرب ، ولكنه لا يستطيع الإخراج لأنه معطّل الكليتين ومسدود المستقيم، ما الذي سيحدث له ؟ أكيد التسمم البطيء بتراكم نفايات الجسد الذي يفضي في النهاية الى الموت. الشئ نفسه يحدث للقرى والمدن التي لا تتوفر فيها *خدمات نقل ومعالجة النفايات الصلبة والسائلة* أيًاً كان مصدرها ، إذ تدخلها يومياً المواد الغذائية السائلة والصلبة للإستهلاك ومواد الطاقة والتغليف والنقل المعدنية والورقية والكرتونية والبلاستيكية والقطنية، وكلها تتحول الى نفايات بعد استهلاكها بما في ذلك المياه .. فتتراكم في البيئة.

وتراكم النفايات في البيئة ليس مزعجاً للنظر وللنفس والخاطر باعتباره منظر غير حضاري ومُقزّز فحسب، بل هو سبب أساسي لتوالد وإنتشار الآفات التي تتناوب في إزعاج الإنسان وحرمانه من الراحة مثل الذباب نهاراً والبعوض ليلاً ، كما أنها تنقل الجراثيم الى الإنسان أينما كان (بكتيريا وفيروسات وفطريات وديدان دقيقة) ، وبالتالي فهي سبب مباشر لإنتشار الأمراض المُعدية والأوبئة سواء كانت أمراض صدرية أو معوية أو جلدية أوالتي تصيب العيون والأذنين. وقد نحتاج لإحصاءات ودراسات دقيقة لمعرفة أعداد المصابين بأمراض نتيجة لتراكم النفايات، ولكن من المؤكد أن أكثر من 70% من الذين يزورون المستشفيات والعيادات الخاصة يومياً هم ضحايا تدهور صحة البيئة .. حتى داخل المستشفيات هناك انتقال أمراض للأصحاء بنسبة عالية نتيجة سوء النظافة واعتلال صحة البيئة. تصور كم يكون التوفير في تكلفة الدواء والأشعة وكيماويات التشخيص ووقت الأطباء وطاقم التمريض والطواقم الإدارية لو أوقفنا 70% من زيارات المرضى للمستشفيات وكم نوفر من العملة الصعبة التي يحتاجها المرضى للعلاج بالخارج عن طريق تحقيق إصحاح البيئة والحرص على التعقيم والتخلص الصحيح من النفايات الطبية والأوساخ عموماً مع رقابة الأغذية وتوفير مياه الشرب الصحية؟

إن تكلفة المحافظة على صحة البيئة لا تساوي 1% من تكلفة العلاج ، هذا بالإضافة الى توفير العذاب النفسي ووقت العمل وجهد ومال الأسر والدولة الضائع في الجري وراء العلاج داخل وخارج السودان.

يجب أن يعلم أصحاب القرار أن صحة البيئة مسؤولية محلية ولا يمكن لجهة اتحادية أن تقوم بها إلا في حدود وضع القوانين والسياسة العامة ومناهج وبرامج التعليم والإعلام لتهيئة الإنسان الواعي الذي يتحمل ما يليه من المسؤولية، لذلك ذكرتُ في مقالي الثاني من السلسلة ضرورة إنشاء بلديات مكان المحليات لتقوم بالعمل البلدي الضروري والمعروف عالمياً لإدارة التخطيط العمراني والصحة العامة بما في ذلك التراخيص والرقابة. ولكني أيضاً أهمس في أذن السيد وزير الصحة الإتحادي بأنه يجب أن يشدّد على ضرورة العمل الوقائي في خطابه لمجلس الوزراء وللجمهور وأن يقولها في كل مناسبة أن وزارة الصحة لن تستطيع أن تحقق الصحة للجميع دون أن تقوم الجهات المحلية بدورها في إدارة الصحة العامة التي تشمل إدارة النفايات والصرف الصحي ورقابة الأغذية وتوفير مياه الشرب الصحية، وكل ذلك في ظل تخطيط عمراني سليم يراعي سهولة توفير خدمات صحة البيئة. والى بعض التفاصيل.

*إدارة النفايات*

النفايات تعني كل ما لا يرغب الإنسان في الإحتفاظ به أو استخدامه فيتخلص منه.

وإدارة النفايات تعني التحكم فيها لتقليل أضرارها الى الحد الأدنى واستغلال فوائدها الى الحد الأقصى ، وهي تحقق أربعة أهداف أساسية بالنسبة للمجتمع:

  • المحافظة على الصحة العامة
  • حماية البيئة الطبيعية من التلوث
  • رعاية الجانب الإجتماعي الجمالي والحضاري لمنطقة ما
  • إستغلال فوائدها الإقتصادية لصالح المجتمع

ويمكن تقسيم النفايات بعدة طرق، إلا أن الأقسام الأساسية التي تهمنا هي:

  • النفايات المنزلية (كل ما يتخلص منه الإنسان في حياته اليومية)
  • النفايات الصناعية (كل ما تتخلص منه المؤسسات الإنتاجية)
  • النفايات الطبية (نفايات المستشفيات والعيادات الخاصة التي تحتوي على جراثيم أو كيماويات خطرة أو مواد مُشعّة)
  • النفايات الزراعية (مخلفات المحاصيل التي تستخدم كعلف أو مرطب وسماد للتربة ومخلفات الغابات وأشجار المنازل والشوارع التي يمكن استخدامها كوقود أو سماد )

ويمكن أيضاً تصنيف النفايات الى نفايات عضوية وورقية وكرتون وقطنية وبلاستيكية ومعدنية وكيميائية والكترونية ونفايات مشعة .. الخ. وكل نوع له إجراءاته في الفرز والنقل والإستخدام والتخلص النهائي.

النفايات الطبية والكيميائية والإلكترونية والمشعة تقع ضمن ما يسمى بالنفايات الخطرة التي تصيب الإنسان والحيوان بالأمراض الجرثومية أو بالتسمم وتكون لها معاملتها الخاصة في الجمع والفرز والنقل والمعالجة (بالحرق أو المعادلة الكيميائية). وفي العادة تكون هناك محطات خاصة بإدارة النفايات الخطرة.

ومن أبرز الإستراتيجيات الحديثة في إدارة النفايات استراتيجية *التوجه نحو صفر نفايات* وذلك من خلال الراءات الثلاث RRR التي تعني التقليل وإعادة الإستخدام والتدوير قبل التخلص النهائي، مما يعني الإستفادة من كل ما يمكن الإستفادة منه. وهذا يتطلب الإستثمار في فرز وجمع والإستفادة من النفايات المختلفة. وهذا نفسه مبني على استراتيجية الإنتاج والإستهلاك المستدام التي تقلل من إنتاج النفايات الى الحد الأدنى. ومن ثم يتم انتاج السماد والأعلاف من النفايات العضوية (المنزلية والزراعية) وارسال كل المواد القابلة للتدوير الى شركات التدوير والنفايات الخطرة إلى المحطات الخاصة بها، وما يتبقى يتم حرقه في درجة حرارة عالية لإنتاج الطاقة.

وهنا يجب مراعاة أن الإستفادة من النفايات لا تكون إلا إذا حققت جدوى إقتصادية، مثلاً نلاحظ أن هناك من يشتري زيوت المركبات وزيوت الطبخ المستخدمة وأواني البلاستيك والعلب المعدنية، وذلك لأن لها جدوى إقتصادية. بنفس هذا المنطق لن يكون مُجدياً أن نخطط لحرق النفايات لإنتاج الكهرباء ما لم نضمن كمية كافية ومستمرة من النفايات التي تغطي التكلفة وتحقق أرباح. ولإعطاء فكرة عن التكلفة العالية، قُدِّرت تكلفة إنشاء محطة حرق النفايات لإنتاج الطاقة في دبي بحوالي 550 مليون دولار لمعالجة 2000 طن متري من النفايات الصلبة يومياً في المرحلة الأولى، وإنتاج 60 ميغاواط من الطاقة. ودبي تقوم بانتاج الطاقة من مكبات النفايات أيضاً بتجميع غاز الميثان الذي ينتج عن تخمُّر النفايات العضوية. كما يجب مراعاة أن هناك مخلفات من حرق النفايات يجب التخلص منها بطريقة لا تضر بالبيئة، إذ قد تحتوي على مواد سامة.

ومن اهم ركائز الإستراتيجيات الناجحة لإدارة النفايات *وعي السكان*، إذ يجب أن نسعى لجعل ممارسة تقليل النفايات وفرزها وايداعها في أماكنها الصحيحة ثقافة مجتمع مثلما هو الحال في سنغافورة وألمانيا واليابان وغيرها من الدول التي سبقت كل العالم في المشاركة المجتمعية في كل عمل تقوم به الحكومة. وهذا يعني أن أكبر قسم في إدارة النفايات يجب أن يكون قسم التوعية والتثقيف البيئي والصحي الذي سيحتاج الى مجهود جبًار في البداية ولمدة قد تطول. وهذا يتطلب أيضاً تسخير التربية والتعليم وكافة وسائل الإعلام بالإضافة الى المنابر الإجتماعية الأساسية مثل المساجد والخلاوي والنوادي.

يجب أن يصبح التعامل الصحيح مع النفايات والتربية البيئية والسلوكية عموماً جزء أساسي من مناهج رياض الأطفال والمدارس حتى الحلقة الرابعة. كما يجب تثقيف الشباب وتدريبهم عملياً على كيفية التعامل مع النفايات. وهنا يأتي دور  منظمات المجتمع المدني مثل الجمعية السودانية لحماية البيئة التي يمكن أن تلعب دوراً أساسياً وهاماً ، خاصة إذا كانت لها فروع في الأحياء.

*ماذا عن الوضع الحالي للنفايات في السودان*

تراكمت النفايات في المدن والقرى بصورة مُقلقة ومُخيفة لمن يدرك نتائجها، وذلك نتيجة لتخلُّف النُظم السياسية التي حكمت بلادنا بعقلية البدوي الذي يتمتع بمساحات شاسعة من الفضاء وأغلب نفاياته عضوية تعالجها بيئة الصحراء دون عناء، فهو إذن لا يحتاج لمجرد التفكير في النفايات. والغريب ومدهش جداً أن حكومة العهد البائد في كل الولايات كانت تأخذ من المواطنين رسوم النفايات عنوة رغم أنها رفعت يدها نهائياً من مسؤولية إدارة النفايات، مما فاقم المشكلة وجعلها قضية مُلحّة تهدّد السكان في صحتهم البدنية والنفسية وفي معاشهم وتهدد البيئة.

الوضع الآن يستوجب معالجات عاجلة لدرء أضرار النفايات العامة والنفايات الطبية والإلكترونية والصناعية الماثلة أمامنا، لحين نتمكن من بناء نظام متكامل لإدارة النفايات في كل بلدية يتولى التعامل الصحيح مع النفايات وفقاً لما ذكرناه.

والحق يقال أن هناك جهود اسعافية مخلصة تُبذل الآن في بعض الولايات والمحليات لحل مشكلة النفايات، خاصةً في المدن الكبرى، رغم عدم وجود أي نظام أو ميزانية في المحليات مخصصة لهذا الغرض. ولكن الأمر أكبر من إمكانياتهم ويحتاج لقناعة على أعلى مستوى سياسي لتوفير الموارد اللازمة للحلول الإسعافية ولإصدار قوانين بناء نُظم إدارية علمية فاعلة تتولي الأمر على المدى الطويل.

وكحل إسعافي سريع يمكن استقطاب شركات يتم التعاقد معها لجمع وفرز النفايات والتخلص منها في مكبات علمية بعيدة عن السكان أو حتى مكبات مؤقتة تنقل فيما بعد لمكبات مصممة بطريقة لا تلوث المياه الجوفية ولا تضر بالسكان والبيئة.

وهذا يتطلب اشتراط جاهزية الشركة المتعاقدة مادياً وبشرياً ، إذ ليس كل شركة تملك كومرين و6 عمال يمكن أن نسميها شركة إدارة نفايات ولا حتى شركة نقل نفايات لأن النقل بمركبات مكشوفة يعني أخذ النفايات من موقع معين وتوزيعها على كل الطريق. إذن يجب التعاقد مع شركات لديها استعداد للإستثمار في إدارة النفايات بحيث يكون لديها كادر متخصص في المجال ومركبات مغلقة وقدرة على تجهيز مكبات ووضع خطة للنظافة وجمع ونقل النفايات بصورة منتظمة لا تنقطع، وكل هذا مدفوع من رسوم النفايات والدعم الحكومي بحيث يكون هناك هامش ربح معقول. والدعم الحكومي هنا مُستحق أكثر من دعم الوقود والخبز لأنه في النهاية يوفر على الحكومة أموال طائلة من ميزانية الصحة ومال الطوارئ المستخدم لدرء الكوارث (انتشار الأوبئة)، فالوقاية خيرٌ وأقل تكلفة من العلاج كما هو معروف في كل العالم وفي السنة النبوية. وكمثال لإهمال الوقاية والإضطرار فيما بعد لدفع أضعاف مضاعفة للعلاج ودرء آثار الكوارث، أورد لكم مثال حي من ولاية الخرطوم عام 1995 عندما كانت هناك فيضانات وتدهور كبير في صحة البيئة فتوقعنا إنتشار أوبئة .. ونحن في الجمعية السودانية لحماية البيئة نحاول دائماً قراءة الواقع البيئي والتنبؤ بأي كوارث محتملة .. فطلبنا مقابلة وزير الصحة الولائي لنقل وجهة نظرنا وطلبنا منه تخصيص مبلغ 10 الف جنيه ونحن علينا استنفار الشباب لدرء الكارثة. اقتنع وزير الصحة بجدوى الطلب ولكنه لم يستطع اقناع وزير المالية لإخراج المبلغ ، فوزير المالية بعيد عن التخصص ووزارات المالية امبراطوريات تستعصي على الوزارات المُهمّشة مثل الصحة والتعليم والبيئة .. وبالفعل حدثت الكارثة وأضطر وزير المالية لإخراج 10 ملايين جنيه من مال الطوارئ ودرء آثار الكوارث ولم تجدي كثيراً لإعتمادهم على رش المبيدات بالطائرات وهذا في حد ذاته كارثة أخرى وجدواه لا تتعدى ال 15% ، بينما يضر البشر والحيوانات الأليفة والطيور والحشرات التي تلقح النباتات، دون تحقيق الهدف المنشود.

ويمكن للشركات التي تستثمر في إدارة النفايات الإستمرار في هذا النوع من الأعمال التجارية في المستقبل وبعد بناء نظم الإدارة البيئية في البلديات بحيث تقوم بتصميم وإدارة المكبات بصورة علمية والإستثمار في انتاج الطاقة من النفايات سواء كان حصاد غاز الميثان من المكبات أو إنشاء محطات حرق النفايات لإنتاج الكهرباء. ويمكن إنشاء محطة في خلاء ولاية الخرطوم باعتبارها الأكثر انتاجاً للنفايات وتُنقل النفايات اليها من الولايات الأخرى أيضاً في شكل مكعبات كبيرة مضغوطة تمنع تطاير النفايات في الطريق. كما أن شركات النفايات يمكن أن تستثمر في التدوير وبيع المواد القابلة لإعادة الإستخدام .. والله الموفق ..

نواصل باذن الله .. وستكون الحلقة الثامنة عن *إدارة الصرف الصحي والصناعي*.

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Thanks for submitting your comment!