تحقيق النهضة

نحو سودان أخضر .. مستقر ومتقدم 10 – 10

د. عيسى محمد عبد اللطيف

مستشار العناية بالبيئة واستدامة التنمية

eabdellatif@yahoo.com

(10) تحقيق النهضة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴿٧٠﴾ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴿٧١﴾ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴿٧٢﴾ من سورة الأحزاب

 

  • لا ديمقراطية دون أحزاب تؤمن بالديمقراطية وتطبقها على نفسها أولاً
  • ولا نهضة دون أحزاب ومجتمع مدني يعملون جميعاً لمشروع وطني شامل

 

نهضت الصين من وضع إقتصادي لا يختلف عن وضع السودان الحالي كثيراً الى دولة عظمى تفوقت على أوربا وأمريكا إقتصادياً وتكنولوجياً. والإنطلاق كان من إصرار رجل واحد رغم تهديد الحزب الحاكم له بالإبعاد، ذلك هو رئيس الوزراء في ذلك الوقت دينج شياو بينج دنغ الذي تمتع بالكاريزما والثقة بالنفس والرؤية الثاقبة والإرادة القوية. ودار في رأسي شريط من المعلومات عن كثير من البلدان التي نهضت بعدما أصابها الإنهيار الإقتصادي والإجتماعي والإحباط التام واليأس.

فإذا أردنا لبلادنا أن تنهض فإننا لا نحتاج لإعادة اختراع أي شئ، بل نحتاج لدراسة تجارب هذه الدول التي نهضت في النصف الأخير من القرن العشرين ولحقت بركب التقدم والحضارة في زمن قياسي. مع ملاحظة أن هناك عوامل حيوية وأساسية لعبت دوراً محوريا في كل البلدان التي نهضت من الحضيض:

أولاً: القيادة الكاريزمية ذات الرؤية والإرادة الصلبة التي استطاعت أن تكسر دائرة الفقر والتخلف والتناحر المُغلقة وتخرج ببلادها الى بر التقدم الإقتصادي والإجتماعي والثقافي. ومن الأمثلة:

الدكتور مهاتير محمد في ماليزيا – لي كوان يو في سنغافورة – بول كاغامه في رواندا – باركجونق هي في كوريا الجنوبية – هوشي منه في فيتنام – دا سيلفا في البرازيل .. وهلم جرّ . كل هذه الدول وصلت أوضاعاً أسوأ من الوضع الحالي للسودان بكثير قبل النهضة من حيث الفقر والمرض والجوع والفساد والإنفلات الأمني والنزاعات الداخلية المسلحة. ولم تنهض الا عندما تولت مقاليد الحكم قيادة “وطنية” أولاً ثم كاريزمية وذات رؤية وإرادة. وأغلب الشخصيات التي قادت النهضة في هذه الدول هي قيادات مدنية.

الدول النفطية التي نهضت ولحقت بركب الحضارة نجد قياداتها اهتمت بالمواطن وحرصت على توفير الحياة الرغدة له والرفاه وذلك باستجلاب العقول والقدرات البشرية من دول أخرى .. بينما هناك دول أغنى منها نفطياً ما زالت ترزح تحت وطأة الفقر والتخلف لأنها لم تحظى بالقيادات الوطنية ذات الكاريزما والرؤية والإرادة. ولو أن هذه الدول استثمرت ريع النفط في تنمية مواردها البشرية لتمكنت من تحقيق استدامة التنمية والحياة الرغدة الى ما شاء الله.

 

ثانياً: إعطاء الأولوية للتعليم والبحث العلمي .. وهذا يعني أن النهضة تمت بتنمية المعرفة ، بتنمية الإنسان. وأفضل مثال لتسخير التعليم للنهضة نجده في سنغافورة التي بلغ دخل الفرد فيها المرتبة الثالثة عالمياً، متقدمةً على أمريكا بجلالة قدرها، رغم أنها جزيرة صغيرة مساحتها 730 كلم مربع فقط وفقيرة جداً في الموارد الطبيعية.

وبالطبع كانت اليابان وألمانيا هما الدولتان القدوة بالنسبة لكل هذه الدول أعلاه في تسخير التعليم والعلم والتكنولوجيا في التقدم الإقتصادي. والمعلم في ألمانيا يحظى بأعلى الرواتب الحكومية مقارنة بالفئات الأخرى المماثلة في مستوى التعليم. وقد لعبتا دوراً أساسياً في مساعدة الدول الآسيوية التي نهضت. أمريكا لم تصل هذا التقدم في العلم والتكنولوجيا، التي بنيت عليه القوة الإقتصادية والعسكرية، إلا بإجتذاب العقول من كل أصقاع العالم المتقدم والنامي.

ولو أن القوة العسكرية كافية لتحقيق التقدم والكفاية لما انهار الإتحاد السوفيتي بسبب إهمال التنمية البشرية والعدالة والنزاهة. وأمريكا التي سادت العالم منذ الحرب العالمية الثانية الآن تتصدع وتسير الى الخلف بسبب إهمال شمولية وعدالة النمو الإقتصادي وتكديس الثروة لدى قلة قليلة عن طريق الإقتصاد الوهمي والطفيلي مثل المضاربات وطباعة العملة، مما جعل الإستدامة بعيدة المنال. وبالتالي فإن قوتها العسكرية الطاغية لم ولن تضمن لها استدامة التنمية والهيمنة على دول العالم.

وعليه فإن بلادنا في حاجة ماسة الى قيادة مدنية كاريزمية ذات رؤية وإرادة تُعطي الأولوية لتنمية الإنسان تربوياً وعلمياً وثقافياً ، وهذا يتطلب الإستثمار في التعليم والبحث العلمي .. وهذا بدوره يعني أن المعلم والباحث يجب أن يجدا الإهتمام الأكبر من ناحية التأهيل والتحفيز وتوفير الحياة الكريمة لهما. كما أن الإهتمام بالإنسان يعني الإهتمام بالصحة ، والإهتمام بالصحة يعني أول ما يعني إعطاء الأولوية للوقاية من الأمراض عن طريق الإصحاح البيئي وتوفير الهواء والماء والغذاء الصحي للجميع.

إن المأزق الحالي لبلادنا لا خروج منه إلا بوصول القيادات العسكرية والحزبية إلى قناعة بأن ما ظل يدور في البلاد من تناحر وتنافس على المناصب والموارد لن يصب في مصلحة أي منهم وستظل البلاد متخلفة ويخسرون هم ويخسر الجميع. وأن من كانت امواله خارج البلاد لن يعيش حُرّاً مهما كبُر رصيده في البنوك الخارجية لأنه سيكون بيد نظم وحكومات وشركات أجنبية تتحكم في حياته وثروته وتُسقِه كأس الحياة بذلّة.

لا بد إذن من الجلوس معاً والتفكير في اتجاه آخر ، إتجاه مشروع وطني يبايعهم عليه الشعب ولا يلتفت الى الخلف. يجب التركيز في بناء القدرات على صناعة القيادات الشابة من اجل مستقبل افضل وتحفيز ريادة الأعمال والمخترعين. كما يجب بناء شراكات عالمية كبري متوازنة خاصة في مجال الامن الغذائي والزراعة عموماً والتصنيع الغذائي بشمولية والحوكمة الادارية والمالية في ادارة المشاريع، والمواصلات البرية والجوية وربط مناطق الانتاج وضبط التهريب. هذا إضافة إلى التركيز في مشاريع الطاقة على مصادر الطاقة المتجددة المتوفرة لدينا.

ويجب أن نضع في الحسبان أن العالم يراقب السودان عن قرب بين معجب بهذا الشعب وعاداته السمحة وثرواته التي لا تحصى ولا تحد، وبين حاسد متربص، وبين حذرٍ خائفٍ من خروج هذا المارد من القمقم.

فيا أيتها القيادات التي تُمسك بالسلطة وتلك التي تحوم حول تخومِها ، هيا بنا لدراسة تجارب الدول التي نهضت، ودراسة أسباب فشلنا والإعتراف به لنستفيد من الأخطاء. وهلمّوا الى كلمة سواء وأتركوا وراءكم التفكير الأحادي والأجندة الآيديولوجية ، واجعلوا أجندتكم وطنية تصب في تنمية الوطن إنساناً ومواردا ، وأجعلوا الإنسان قبل الآلة والمكان لتنهض بلادنا وينعم الجميع بالإستقرار والحرية والسلام والتقدم والرفاه في سودان أخضر.

نسأل الله تعالى أن يخرج بلدنا الطيب من عنق الزجاجة الى بر الأمان والإستقرار والتقدم والرخاء .. وأن يرحم شهداءنا ويشفي جرحانا ويعيد المفقودين سالمين غانمين.

وفقكم الله ودمتم ذخراً للبلاد والعباد.

دبي – 16 أبريل 2020

——————————————————————————–

* عن الكاتب: عيسى محمد عبد اللطيف

كبير المستشارين بمؤسسة زايد الدولية للبيئة بدبي منذ 1999

  • حنتوب الثانوية 1972 // جامعة الخرطوم – كلية العلوم 1977
  • ماجستير ودكتوراة في علم البيئة (إيكولوجي) جامعة كنساس الأمريكية 1985
  • أستاذ سابق لعلوم البيئة بجامعة الخرطوم ( 1985 – 1997)
  • رئيس سابق للجمعية السودانية لحماية البيئة (1992 -1997)
  • مؤسس برنامج الدراسات البيئية بجامعة أمدرمان الأهلية (1986)
  • تقييم الأثر البيئي لعدة مشاريع بالجزيرة وسنار والشمالية والبحر الأحمر
  • كبير خبراء برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لمشروع تطوير أنظمة الإدارة البيئية ببلدية أبوظبي (1997 – 1998)
  • محرر سلسلة كتاب “عالم البيئة” بمؤسسة زايد التي أصدرت 25 كتاباً حول قضايا البيئة والتنمية المستدامة حتى الآن.
  • أستاذ علوم البيئة واستدامة التنمية المتعاون لبرنامج “ماجستير القانون والبيئة” بأكاديمية شرطة.
Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Thanks for submitting your comment!