الزراعة الدقيقة Precision Agriculture

د/ محمد صالح آدم عبدالله

Khabir3@hotmail.com

تطور الزراعة: بدأ تطور الزراعة منذ حوالي عشرة آلاف سنة قبل الميلاد بإستئناس  النباتات والحيوانات، ومنذ عهد الحراثة القديمة مرّت الزراعة بتطورات عديدة. وتعتبر الزراعة هي السبب الرئيس الذي ساعد على إستقرار المجتمعات البشرية وتحولها من مجتمعات متنقلة تعتمد على الصيد والجمع إلى أخرى مستقرة تعتمد على فلاحة الأرض وتربية الحيوان.  

هناك نظرة عامة للزراعة بإعتبارها من المهن التقليدية، لكن في  حقيقة الأمر تعتبر الزراعة من أكثر المهن تطوراً وذلك لأنها تعتمد على البحث العلمي والتكنولوجيا.

وقد شهدت بعض الممارسات الزراعية مثل الري وتطبيق الدورة الزراعية وإستخدام الأسمدة المصنّعة كيميائياً  والمبيدات الكيميائية وإدخال الميكنة  تطوراً ملموساً ولكنها إزدادت توسعاً في القرن الماضي، مما ساعد في الإنتاج الوفير للمحاصيل. وارتبط التاريخ الحديث للزراعة ارتباطاً وثيقاً بجملة من القضايا الأساسية منها تلوث المياه والكائنات المعدلة وراثياً وتغيرات المناخ والتعرفة الجمركية والإعانات الزراعية … إلخ. وفي السنوات الأخيرة إزدادت ردود الأفعال المنددة بالآثار البيئية السالبة للزراعة التقليدية والمطالبة بالدعم المتزايد لبرامج الممارسات الزراعية الجيّدة والزراعة العضوية.

إن المتتبع لتاريخ الزراعة يرى أنها مرت بثلاثة مراحل هامة الأولى تم فيها إستئناس النباتات البرية والحيوانات، والثانية تم فيها تقديم أساليب حديثة للري والحصاد والتخرين، والثالثة والتي تسمى بالثورة الخضراء أدخلت أساليب الري الحديثة وأستخدمت الآلة والأسمدة المصنعة كيميائياً والمبيدات الكيميائية والبذور المحسنة.

الثورة الخضراء: بدأت المرحلة الأولى منها بعد الحرب العالمية الثانية حيث إزداد الطلب العالمي على الغذاء وتم إدخال الآلة في الزراعة (التراكتورات، الحاصدات، عربات النقل) مما كان له أثره الايجابي في زيادة الانتاج، ولكن ما زالت الزراعة وقتها تعتمد على الممارسات التقليدية التي تتطلب عدد أكبر من الأيدي العاملة.   

والمرحلة الثانية للثورة الخضراء بدأت في أواخر الستينيات من القرن الماضي، وذلك بالتطور الذي حدث في الكثير من التقانات الزراعية كأساليب الري الحديثة (الري المحوري، الري بالتنقيط)، وتصنيع الأسمدة والمبيدات الكيميائية، وتحسين الأصناف المحصولية والسلالات (التهجين، التعديل الوراثي)، … إلخ.

أما المرحلة الثالثة للثورة الخضراء فقد حاولت الاستفادة من التقنيات الرقمية الحديثة في إدارة المزارع بشكل يزيد من كفاءتها وانتاجيتها، وتعتبر الزراعة الدقيقة أهم ما يميّز هذه المرحلة.

تعريف الزراعة الدقيقة: تعتبر من التقانات الحديثة في مجال الزراعة، وتعنى بتطبيق المعدلات المناسبة من المدخلات الزراعية، مثل الأسمدة ، المبيدات، البذور، ومياه الري  في الأماكن المناسبة من الحقل، بحيث يستخدم في كل منطقة من الحقل ما تحتاجه بالضبط منها  دون زيادة أو نقصان، مستفيدة في ذلك من مجموعة النظم المتخصصة في جمع وتحليل البيانات داخل وخارج الحقل، مما يساعد على إدارة موارد المزرعة بكفاءة عالية ويعزز من العوائد، وذلك من خلال زيادة دقة تطبيق المدخلات الزراعية ومياه الري وتقليل التلوث البيئي بالمواد الكيميائية .   

مفهوم الزراعة الدقيقة: ظهر مفهوم الزراعة الدقيقة  للمرة الأولى عند استخدام نظام تحديد المواقع في المركبات الزراعية، لكنه سرعان ما توسع ليشمل تقنيات أخرى مثل أجهزة الاستشعار عن بعد والروبوتات والطائرات دون طيار والمركبات ذاتية الحركة ونظام تحديد المواقع الجغرافي ونظام المعلومات الجغرافي وخرائط الأقمار الصناعية وتطبيقات الهواتف الذكية. مما يوفر على المزارع الكثير من الوقت والجهد عن طريق الكم الهائل من المعلومات الدقيقة التي تساعده في بناء خرائط رقمية تمكنه من اتخاذ القرارات السليمة.

فوائد الزراعة الدقيقة: أهم فائدة للزراعة الدقيقة تتمثل في أنها تساعد المزارعين على زيادة إنتاجية الحقول بإستخدام مرشد للموارد مع تقليل الضغط البيئي، بالاضافة إلى:

1/ رصد معلومات التربة والنبات: حيث يمكن للمزارع تحديد الظروف المناسبة لنمو النبات عن طريق وضع الأجهزة المناسبة في جميع أنحاء الحقول.

2/  متابعة فعّالة للأعمال الحقلية: حيث يمكنها أن تساعد في تحديد أفضل الأوقات للري والزراعة والتسميد من خلال النظم المعلوماتية الزراعية التي تساعد في التنبوء بالكميات المناسبة من السماد والمبيد والمياه .

3/ جمع المعلومات في الوقت الفعلي: يسمح تطبيق هذه الأجهزة في جميع أنحاء الحقل بمراقبة مستمرة للمعلومات المختارة ويقدّم البيانات في الوقت الفعلي للمساعدة في دعم القرارات طوال موسم الزراعة والحصاد.

4/ الحصول على أفضل النتائج من الموارد المستخدمة:  إستخدام التكنولوجيا للمساعدة في زيادة فوائد مغذيات النبات إلى أقصى حد، ومواد الوقاية وتقليل تكاليف الري باستخدام أجهزة تلقائية تنبه المزارعين عن  أفضل وقت للري والتسميد، والمكافحة.

مستقبل الزراعة الدقيقة: لا حدود للزراعة الدقيقة مع ما يعرف حالياً بصناعة الزراعة ومع التطور العلمي والتكنولوجي المطرد، فقد تمتد دائرتها إلى مجال تربية الماشية وادارة القطيع. كأن يتم تركيب أجهزة رصد داخل الماشية لمتابعة بعض العمليات الحيوية والفسيولوجية مما يساعد في التنبوء بالأمراض التي يمكن أن تصيبها ومعرفة معدلات الغذاء المناسبة للحيوان بصورة فردية مستندة في ذلك على البيانات التي تم جمعها بواسطة التقنيات الحديثة المختلفة، وإستخدام تطبيقات أجهزة الهواتف الذكية في إدارة المزرعة وإستبدال القوى العاملة البشرية بروبوتات قادرة على أداء عمليات فلاحية مثل التعرف على الأعشاب الضارة والتخلص منها وإقتلاعها بدقة عالية، والتعرف على الثمار الناضجة وقطفها بعناية فائقة … إلخ وسيستمر المزارعون في تبني هذه التقانات الحديثة بغرض الوصول إلى منتجات زراعية أفضل من ناحية الكم والنوع لتوفير غذاء مستدام.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Thanks for submitting your comment!