الجمعيات التعاونية الزراعية في السودان Cooperative Agricultural Societies in Sudan

د/ محمد صالح آدم عبدالله

Khabir3@hotmail.com

تتمتع الجمعيات التعاونية الزراعية بمقدرتها على توريد المدخلات والحصول على التمويل والتسويق خاصة لصغار المزارعين، وللمزارعين المقيمين في مناطق نائية. وتقوم هذه الجمعيات بالعمل في مجالات مختلفة إنتاجية، تسويقية، خدمية… إلخ.  

إن التجارب العالمية في مجال التنظيمات المجتمعية قد أثبتت أنه لا نهضة زراعية بدون التعاونيات الزراعية، ومن هنا قد أصبح لزاماً علينا الاستفادة من تجارب الآخرين لنعرف كيف ارتقت مجتمعاتهم بفضل جمعياتهم التعاونية، وهنالك بعض الأمثلة لتطبيقات الجمعيات التعاونية في بعض دول العالم:-      

     – ففي ألمانيا مثلاً يوجد حوالي 7500 منظمة تعاونية، تضم ما يزيد عن 20 مليون عضو، علماً بأن التعاونيات في  ألمانيا تمثل الشكل الجماعي الأقوى في الحياة الاقتصادية.

  • وفي كندا تقريباً يعتبر كل مواطن من بين ثلاثة مواطنين عضواً في جمعية تعاونية.
  • وفي فرنسا تؤمّن التعاونيات حوالي 700,000 فرصة عمل، كما أن 80% تقريباً من الانتاج الزراعي الفرنسي توفره التعاونيات الزراعية.
  • و في اليابان ينتمي حوالي 91 % من المزارعين إلى جمعيات تعاونية.
  • و في بوليفيا تقوم التعاونيات بإدارة ربع الادخار المالي الوطني.
  • أما الهند والتي كانت تستورد حوالي ‏50%‏ من الغذاء لسكانها‏، فقد نجحت من خلال التعاونيات الزراعية من أن تحقق الاكتفاء الذاتي من الغذاء، بل وصدرت الفائض، وأصبحت تعاونيات المزارعين الهندية تمتلك نسبة ‏100%‏ من تصنيع الأسمدة والآلات الزراعية وصناعة السكر‏، والكثير من الصناعات الغذائية الأخرى مثل صناعة الألبان ومنتجاتها‏ وذلك بفضل الجمعيات التعاونية لصغار المنتجين، وبذا تحوّل الريف الهندي إلى قرى صناعية بامتياز.

وقد توصّلت الأبحاث التي قام بنشرها معهد الرصد العالمي – وورلد وواتش – إلى أن حوالي مليار شخص في 96 بلداً في العام 2012م لديهم عضوية في جمعية تعاونية واحدة على الأقل. وبلغت قيمة دوران مبالغ  300 جمعية تعاونية كبيرة في العالم حوالي 2.2 تريليون دولاراً.

نبذة عن الجمعيات التعاونية الزراعية بالسودان: بدأت عند ظهور جمعيات التسليف الزراعي بدلتا طوكر، وبتشجيع من الحكومة البريطانية لحماية المزارعين من إستغلال التجار والمرابين الذين يقدمون سلفيات مجحفة لزراعة القطن الذي توسعت فيه الحكومة آنذاك، وفي العام 1937م تكونت أول جمعية تعاونية بمبادرة شعبية سميت بالشركة التعاونية، ثم توالت بعدها التعاونيات في المديرية الشمالية، ثم ظهرت أول جمعية تعاونية لمشروع الجزيرة بقرية ودسلفاب لطحن الغلال واستجلاب المحاريث وكان ذلك في العام 1944م، وفي العام 1948م إتخذت الحركة التعاونية شكلها القانوني إثر المذكرة التي قدمها المستر كامل للإدارة البريطانية معلنة صدور أول قانون للتعاون بالبلاد وشهد ذلك العام تسجيل أول جمعية تعاونية وهي جمعية ودرملي التعاونية الزراعية. ولم يقتصر الأمر على القطاع الزراعي بل شهدت المدن والقرى خاصة قيام العديد من الجمعيات التعاونية الخدمية التي ساهمت على سبيل المثال في توفير طواحين الدقيق ومولدات الكهرباء والسلع الاستهلاكية. وإتسع نطاقها ليشمل تجمعات العاملين وهيئاتهم ونقاباتهم وكان لهذه الجمعيات أثرها البالغ في تطور المجتمعات وخدمة المواطنين.                       
كان هنالك إهتمام بالحركة التعاونية تمثّل في تسجيل الجمعيات وفق قوانين ولوائح الوزارة المختصة بذلك، وتم إنشاء المركز القومي لتدريب التعاونيين في العام 1976م، وبنك التنمية التعاوني السوداني في العام 1982م لخدمة أهداف الحركة التعاونية والذي غير إسمه وهويته في العام 2013م إلى بنك النيل، والاتحاد القومي التعاوني وقانون التعاون لعام 1990م ولعام 1999م، والشركة الوطنية للتأمين في العام 1991م.  

المشاكل التي يواجهها المزارع في السودان: هنالك العديد من المشاكل التي يواجهها المزارع في السودان خاصة إذا كان يعمل لوحده، مما يؤدي إلى إنخفاض في إنتاجية الفدان قد يصل إلى حوالي الثلث مقارنة مع نظرائه من دول أخرى مجاورة، وهذا بسبب أمور تتعلق بتنظيم الموارد وإستغلالها بصورة أكثر كفاءة، كما أن هنالك العديد من المشاكل مثل عدم  مقدرته على مكافحة الآفات الزراعية والوقاية من الأمراض، وتوفير مياه الري بشكل مستدام، ومدخلات الانتاج كالأسمدة والمبيدات والبذور المحسنة، وحصاده لمحصوله في الوقت المناسب ومقدرته على تخزينه وتصنيعه وتعبئته وتغليفه ونقله، مع أهمية عدم مقدرته على خفض تكاليف الإنتاج ما أمكن، ولا يخفى علينا أن المزارع السوداني بموارده المحدودة لا يستطيع بمفرده مقابلة تكاليف متطلبات الزراعة الحديثة وإدخال التقانات والأساليب الزراعية الجديدة، كما أن البنك الزراعي يصعب عليه التعامل مع أفراد لايملكون ما يمكن إعتباره ضماناً يقابل القروض، لذا فإن الجمعيات التعاونية تستطيع أن تقوم بتجميع المقدرات المبعثرة للأفراد وتكسبها القدرة والفعالية الإقتصادية، كما تسهل من مهمة البنك الزراعي الذي سيتعامل مع مجموعة من المزارعين عن طريق هذه الجمعيات بدلاً عن أفراد يكون من الصعب تتبع نشاطهم.

العوائق التي تواجه الجمعيات التعاونية الزراعية في السودان:

1/ غياب بنوك متخصصة لتمويل الحركة التعاونية من أهم هذه العوائق، حيث تتقاضي البنوك فوائدعالية تتراوح تقريباً ما بين 12-15%

2/ عدم وجود الكوادر ذات الخبرات الإدارية والفنية.

3/ هنالك مشكلة في التنسيق بين الأجهزة المعنية.

4/ ضعف الوعي والتدريب التعاوني وبناء القدرات.

5/ مشكلة الصراعات والتكتلات الضيقة.

6/ ضعف الامكانيات المالية للجمعيات التعاونية.

7/ غياب الوحدة الفاعلة في البناء التعاوني.

8/ غياب الفهم المؤسسي للعمل التعاوني.   

تعتبر التعاونيات أرضاً خصبة للعمليات التنموية، ويمكن أن تكون عاملاً مهما للتطوير وطريقاً  مختصراً للنمو الاجتماعى والاقتصادى فى السودان خاصة في  في ظل الظروف الأقتصادية الراهنة، وذلك  للدور الذي يمكنها أن تلعبه فى مجال تطوير القوى الانتاجية، وإستحداث أنماط جديدة من العلاقات الانتاجية تكون  أكثر تطوراً، والمساهمة في عملية التنمية المستدامة.

كما ويمكن للتعاونيات عامة والتعاونيات الزراعية بصفة خاصةأن تلعب دوراً  مؤثراً  في عملية الانتاج، فهناك علاقة طردية بين وجود التعاونيات وتطورها وزيادة الانتاج، وكلما تطورت التعاونيات كلما زاد الانتاج ، وبالتالي يمكن ربط عملية التنمية في السودان بمساهمة النشاط  التعاوني.  

بالإضافة إلى ما ذكر أعلاه من عوائق، فإن القطاع التعاوني  الحالي والمتمثل في حوالي 9000 منظمة تعاونية في القطاعات المختلفة بالسودان، يواجه العديد من المشاكل والمعوقات التى تؤثر على فعاليتة، نتيجة للعديد من العوامل الداخلية والمتمثلة في غياب المبادئ والقيم الأساسية للجمعيات التعاونية كالديمقراطية والمساعدة الذاتية والمسؤولية الذاتية والمساواة والإنصاف، والتضامن مما ينعكس سلباً على القيم الأخلاقية المتمثلة في النزاهة، والانفتاح، والمسؤولية الاجتماعية والرعاية للآخرين، إضافة الي عوامل أخرى خارجية أهمها إهمال الحكومة له.

وبدراسة المشاكل التي أدت إلى تعثر التجربة التعاونية في السودان، وبتذليل هذه العوائق يستطيع المزارع الذي يعمل تحت مظلة النظام التعاوني من أن يحقق مكاسب أكثر من المزارع الذي يعمل لوحده أو يعمل تحت نظام آخر، مما يستدعي أن يلتفت المسئولون أكثر للنظام التعاوني الزراعي في السودان، خاصة إنه من الممكن أن يكون قادراً على توفير إدارة جيّدة ومستدامة للإنتاج الزراعي بشقيه النباتي والحيواني وأن يلعب دوراً أكثر فاعلية.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Thanks for submitting your comment!