البيئة في عالم ما بعد الكورونا

البيئة في عالم ما بعد الكورونا

د. عيسى محمد عبد اللطيف

مستشار رعاية البيئة والتنمية المستدامة

دبي – 28 أبريل 2020

 

 

سترحل كورونا وتصبح تاريخ كما هو حال كل الأوبئة والكوارث التي اجتاحت العالم سابقاً، ولكن العالم بعد الكورونا لن يكون كما كان قبلها. فالكورونا حدث كبير وفاصل بين حقبتين مختلفتين على المستوى السياسي والاقتصادي والبيئي.

أولاً: على الصعيد البيئي، تنفست الكرة الأرضية الصعداء عندما أوقفت جائحة كورونا حركة المركبات والطائرات والصناعات المُلوّثة للبيئة، فقد انخفض تلوث الهواء بصورة ملحوظة في كل دول العالم، حتى المدن الأكثر تلوثاً والأخطر على صحة الإنسان رأت سماءً زرقاء صافية لأول مرة منذ عقود. وهذا دليل على تأثير النشاط البشري المُدمّر للبيئة ولصحة الإنسان وعلى أن التغير المناخي ليس ظاهرةً طبيعية بل يلعب النشاط البشري الدور الأساسي فيها. وإن عاد النشاط البشري لنفس النمط بعد انتهاء جائحة الكورونا، فإن التلوث سيعود كمان كان بل ربما أسوأ بسبب محاولات تعويض الأرباح. فالأمر إذن يحتاج لمراجعة جادة في كل دول العالم خاصة الدول الصناعية.

على الجانب الآخر أضرت الكورونا بالبيئة فيما يخص تراكم النفايات الطبية الموبوءة بالفيروس وتراجع نشاط التدوير وإعادة الاستخدام خوفاً من العدوى. كما أن صناعات التدوير متوقفة مثلها مثل الصناعات الأخرى مما أدى إلى وصول نفايات أكثر الى المكبّات، خاصة أواني وأدوات البلاستيك التي تستخدم لمرة واحدة وكان الطلب عليها أكبر في هذه الفترة خاصة الكمامات والقفازات مما يهدد بوصولها لاحقاً الى البحار والمحيطات.

يجب أن يدرك العالم أجمع أن التدهور البيئي يؤدي الى كثير من أنواع الكوارث التي تشمل الأوبئة لأن تدمير البيئات والنظم الإيكولوجية مثل الغابات وذوبان الجليد في القطبين يطلق كائنات دقيقة وفيروسات لم تعرف من قبل مباشرةً أو عن طريق الحيوانات مما يجعل الإنسان عاجزاً عن مقاومتها وإيقاف انتشارها.

ثانياً: على الصعيد السياسي سيطيح الفشل في التعامل مع الجائحة بكثير من الحكومات التي استهانت بالكورونا للمحافظة على النشاط الاقتصادي حيث تسبب ذلك في كوارث صحية غير متوقعة. كما أن خريطة النفوذ السياسي في العالم ستتغير ربما لصالح المعسكر الشرقي أكثر، خاصةً كوريا وسنغافورة والصين التي أثبتت قيادتها الناجحة في التعامل مع الجائحة. ولكن التنافس بين القوى العظمى مستمر ولا نتوقع تحسن ملحوظ في التعاون العالمي لحل القضايا المشتركة، بل ربما نشهد تراجع في العولمة والانفتاح والازدهار. وستُحكِم الحكومات الديمقراطية قبضتها على الأفراد والشركات أكثر من ذي قبل مع تغيير ملحوظ في السياسات.

لن ينسى الأفارقة إتهامهم باحضار فيروس الكورونا إلى الصين وأمريكا وأوربا وكندا وممارسة العنف ضدهم رغم أنهم كانوا أول الضحايا لفقرهم وضعف مقاومتهم نتيجة نقص فيتامين د وسوء التغذية. لم يشفع لهم أن الضحايا من الكادر الطبي الذين توفاهم الله تعالى بداء الكورونا وهم في خط الدفاع الأول أغلبهم أفارقة. أضف الى ذلك الإتجاه لتجربة اللقاحات والأدوية على الأفارقة كأنهم فئران تجارب مما يدل على أن العنصرية لم تخمد لها نار بل كامنة تحت الرماد تنتظر مثل هذه الظروف لتشتعل مرة أخرى. وفي العموم أثبتت الكورونا أن الدول الغربية العُظمى نمورً من ورق.

ثالثاً: على الصعيد الاقتصادي، سيكون لجائحة الكورونا تأثيراً كبيراً على العولمة الاقتصادية واتفاقيات التجارة الحُرّة، وسينعكس ذلك سلباً على التعاون الدولي في ظل الانعزال الذاتي للدول.

إن ما حدث من أضرار اقتصادية وانهيار اجتماعي غالباً ما يساهم في تعزيز الاتجاهات القومية و جهود الاكتفاء الذاتي وتنافس القوى العظمى في ظل أرباح أقل قد تؤدي الى استقرار أكبر في الإمدادات محلياً وإقليمياً ما سيضعف سلاسل شركات التوريد العالمية.

من الفوائد الكبرى التي يمكن أن تحققها جائحة الكورونا هي أن تدرك قيادات العالم أنّ مصلحتهم الحقيقية تكمن في التعاون الإقليمي والدولي بشأن التحديات الكبرى التي تواجه العالم أجمع، خاصةً قضية التغير المناخي المُهدّدة لمستقبل الحياة على الأرض. فقد أثبت هذا الوباء أن أي قوة عظمى لن تستطيع حماية أمنها من خلال التصرف بمفردها لإدارة المخاطر العابرة للحدود السياسية مثل جائحة الكورونا والتغير المناخي وأن الاستقواء بالآخرين يصب في المصلحة الوطنية للدول المتعاونة.

رابعاً: على الصعيد الإقليمي، كشفت جائحة الكورونا إمكانية معالجة تضخم النظم الإدارية وزحام الطرق بالتحول الى العمل والدراسة عن بعد. فقد تحولت كثير من الوظائف الحكومية وأعمال الشركات في الخليج الى العمل من المنزل خلال فترة الحجر، بل إن بعض الوظائف كان إنجازها من المنزل أكبر بتوفير الوقت والجهد المُهدر في التنقل بين المنزل ومكان العمل. كما ان المدارس والجامعات قدمت دروسها عن بعد في هذه الفترة ولم تجد صعوبةً كبيرةً في ذلك، خاصةً الجامعات.

وعليه من المتوقع أن تقوم الدول التي تعتمد أكثر على العمالة الأجنبية بتغيير سياساتها وتشريعاتها بحيث تتمكن من استخدام الأجانب في الأعمال الاستشارية والإدارية التي تحتاجها من دولهم عن بعد دون الحاجة لتغطية تكاليف السفر والإقامة. كما أن العديد من المؤسسات الصناعية ستفكر جديّاً في استخدام الآلة بدلاً عن البشر في الإنتاج أينما كان ذلك ممكناً تحسباً لأي كوارث مستقبلية تحجر البشر. وقد تنحوا مؤسسات التعليم نحو استخدام نظام المحاضرات والإشراف عن بعد عبر برامج مكالمات الفيديو، وهذا يمكنهم من استقطاب كوادر خبيرة ومتميزة من كل دول العالم دون الحاجة لاستضافتهم.

أما في سوداننا الحبيب فقد هلّ علينا رمضان الكورونا الذي لم يمر علينا مثله من قبل، رمضان بدون برش الإفطار الجماعي وبدون صلاة تراويح في المساجد وبدون زيارات وأسواق مزدحمة. وكشفت الكورونا ضعف إقتصادنا وهشاشة النظام الصحي الذي تركه النظام البائد في محاولته لتحويل كل شئ الى تجارة همها الربح فقط. والبعض يتوقع نهوض القطاع الصحي بعد الكورونا التي ابرزت أهميته للجميع. ويجب ربط ذلك بتطوير التعليم والبحث العلمي ايضاً نسبة لأهمية التكامل بين القطاعين. كل هذا يعرقله الآن صراع المحاور الطامعة في ثروات بلادنا المنتشرة في كل الأقاليم نسأل الله أن يجنبنا شرها.

ختاماً نقول يجب أن تقوم كل دولة بدراسة وتقييم طبيعة هذه الجائحة وآثارها السياسية والاقتصادية والبيئية عليها فتستفيد من الجوانب الإيجابية وتقلل الآثار السلبية إلى الحد الأدنى. ويجب علينا نحن في الدول النامية أن نضع الدراسات والبحث العلمي ضمن أولوياتنا حتى لا نفاجأ بالكوارث الطبيعية تطرق بابنا ، وليعلم الجميع أن الوقاية كانت وما زالت وستظل دائماً خيرٌ من العلاج.

نسأل الله تعالى أن يرفع الوباء والبلاء ويخرجنا منه سالمين غانمين في عالم جديد يتميز بالسلام والوئام والحرية والعدالة بين الدول وداخل كل دولة. آمين

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Thanks for submitting your comment!