نحو سودان أخضر (2-10) – العمل البلدي

(2) العمل البلدي

(البلدية هي الذراع التنفيذي الأساسي للحكم المحلي)

(المجلس البلدي المُنتخب هو الذراع التشريعي والرقابي للحكم المحلي)

العمل البلدي منظومة من الاختصاصات والمسؤوليات والآليات التنفيذية المرتكزة على قواعد قانونية وأدوات إدارية وإجرائية تنظم اتجاهات وآليات الحكم المحلي. وتحدد تلك الآليات مسؤوليات البلديات والمجالس البلدية المُنتخبة في التخطيط للمشاريع التنموية ومتابعة تنفيذها وتلبية متطلبات إنجازها. والمجلس البلدي يقوم بالرقابة على الاداء التنفيذي في انجاز المشاريع والخطط التنموية والخدمية وتلبية المطالب الاجتماعية. وهذا ما لا استغناء عنه في أي بلد يسعى للنماء والرفاه والتقدم.

وقد يسأل البعض لماذا البلديات وليس المحليات ؟

البلدية جهاز تنفيذي متكامل وظائفه وصلاحياته معروفة عالمياً وقد كان موجوداً من قبل يؤدي عمله بفعالية في خدمة المجتمع، بينما المحلية جهاز سياسي يرأسه رئيس الحزب الحاكم في المنطقة ويهدف الى تثبيت النظام الحاكم في السلطة بيد أمنية قوية وفرض الجبايات لتمويل الحزب الحاكم دون أن يقدم أي خدمات.

أهم ما تقوم به البلديات، بجانب تقديم الخدمات العامة المنظمة لحياة السكان من إصدار اللوائح والتراخيص وغيرها،  هو ضمان صحة الإنسان ، الذي هو وسيلة وغاية التنمية، من خلال القيام بكل متطلبات الصحة العامة التي تضمن الوقاية من انتشار الأمراض المُعدية الناتجة عن تدهور صحة البيئة وتدنّي جودة الغذاء والماء. وتركيزي على الصحة العامة هنا كأولوية قصوى لغيابها حالياً ولإنقاذ الوضع الصحي المتدهور تماماً كما هو واضح للعيان.

وعليه لا بد للبلديات من القيام بالوظائف الأساسية الآتية:

  • التخطيط العمراني الذي يراعي التوازن البيئي والإجتماعي ومستقبل التنمية في ظل النمو السكاني والتوسع العمراني .

ما ظل يحدث أثناء حقبة الإنقاذ هو بيع الأراضي كمصدر دخل أساسي للمحليات (لأول مرة في تاريخ السودان) دون خطة مُوجِّهة Master Plan، وكلما أفلست محلّية طرحت مشروع سكني أو تجاري لبيع الأراضي دون مراعاة لأي احتياجات سكانية حالية أو مستقبلية من خدمات أو ميادين أو توسع مطلوب في المنشآت التعليمية والصحية وغيرها. بل هناك سماسرة يوفرون على موظفي المحليات أي جهد بتحديد الأماكن الخالية وتوفير المشتري ليأخذوا عمولتهم باردةً. وهذا يجب أن يتوقف في ظل التخطيط السليم، وأن لا يتم تخصيص أي أرض خارج الخطة الموجهة Master Plan.

  • توفير مياه الشرب النقية  

ينص الهدف السادس من أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة على: “ضمان توافر المياه الصحية وخدمات الصرف الصحي للجميع وإدارتها إدارة مستدامة”.

في السودان محطات المياه الحالية في عمومها محطات ضخ وليست بها تنقية، سواء كانت تأخذ المياه من النهر أو من الآبار. وقد ظل أثرياء النظام الحاكم يعتقدون انه يمكنهم شراء مياه الصحة أو يقومون بتركيب فلاتر في منازلهم لضمان تناول مياه شرب صحية دون الإهتمام ببقية المجتمع. ولكن أثبتت الدراسات أن مياه الصحة ليست صحية حتى في أمريكا حيث وجد أن 97% من المياه المعبأة (مياه الصحة) تحتوي على جزيئات من الميكروبلاستيك. يضاف الى ذلك في بلادنا تعرّض القارورة البلاستيكية للشمس فتفرز مادة الديوكسين المسرطنة على المدى الطويل.  كما أن هناك ارهاصات كثيرة حول تلوث المياه الجوفية بمياه الصرف الصحي من السيفونات ، وهذا ما يحتاج لإثبات بالتحليل العلمي والتعامل مع المشكلة حسب نتائج التحاليل. حتى النيل يمكن أن يكون ملوثاً كما هو الحال بالنسبة للنيل الأبيض في المنطقة الواقعة بين مقرن النيلين وخزان جبل أولياء. هذه المنطقة تستقبل مياه المجاري الفائضة ومياه التصنيع الحربي. وقد أشرفتُ في تسعينات القرن الماضي على مشاريع بحثية لطلاب جامعة الخرطوم أثبتت تلوث النيل الأبيض في هذه المنطقة بالبكتريا البرازية (لا مؤاخذة) ويرقات البلهارسيا وبعض المعادن الثقيلة. ولذلك  يحتاج الأمر لدراسات حديثة تحدد مدى ونوعية تلوث النيل وتلوث مياه الشرب من مصادرها المختلفة لمعالجته عاجلاً.

وبالطبع فإن أي دولة تحترم الإنسان لا بد وأن تستثمر في محطات لتنقية المياه وتوفيرها بكميات وافية لكافة السكان بالمواصفات العالمية المعروفة لمياه الشرب.

  • رقابة الأغذية

مع انتشار الأمراض المستعصية مثل السرطان والفشل الكلوي، يذهب المجتمع  إلى اتهام نفايات مدفونة في مناطق محددة، وهو ما لم يتم اثباته علمياً حتى الآن الا في حالة مقبرة المبيدات بالحصاحيصا – محطة قرشي، لكن المرجّح أن تلوث الغذاء يلعب دوراً كبيراً في انتشار هذه الأمراض ، سواء كان من سوء استخدام وسوء تخزين السماد والمبيدات في الزراعة أو من تلوث الأغذية الجاهزة والمصنعة التي تباع في الأسواق دون أي رقابة من أي جهة. وأسواقنا مليئة بالأغذية منتهية الصلاحية إما لإنتهاء مدتها أو لسوء التخزين والحفظ، خاصة المستوردة.

رقابة الأغذية تحتاج لإدارات ومراكز متخصصة لديها المختبرات العلمية والكوادر المؤهلة للتحليل والتفتيش، وهذا من صميم عمل الحكومات المحلية.

  • إدارة النفايات الصلبة

أي تصنيع وأي استهلاك يتبعه افراز نفايات صلبة أو سائلة أو كلاهما، وإن لم يتم التعامل مع النفايات بطريقة سليمة تراكمت وتسببت في اختلال توازن المنظومة البيئية مما يؤدي الى تكاثر الحشرات والكائنات الدقيقة بصورة غير طبيعية وهذا بدوره يؤدي الى انتشار الأمراض المُعدية التي تنقلها هذه الآفات، إضافة إلى المضايقات الحسية والنفسية التي تسببها جيوش الذباب والبعوض والصراصير والفئران الخارجة عن السيطرة. ويمكن تشبيه المدينة أو القرية بلا إدارة نفايات بالشخص الذي يأكل ما طاب له ولكنه لا يُخرج نتيجة لورم في المستقيم أو إمساك مُزمن،فتجده دائماً يعاني من الحالة الصحية المتدهورة.

إن إدارة النفايات الصلبة ليست فقط مركبات تنقل النفايات، بل نظام متكامل يستهدف تقليل وفرز وإعادة استخدام وتدوير النفايات والتخلص النهائي مما تبقى بطريقة لا تضر بالتربة ولا المياه الجوفية ولا المناطق السكنية .. وهذا يعني أن مكب النفايات ليس فقط حفرة كبيرة وانما يتم تصميمه وتجهيزه بطريقة علمية تمنع تسرب أي مواد للمياه الجوفية وتحصد غاز الميثان الناتج عن التخمّر لإستخدامه كغاز طبخ. بل يمكن توليد الطاقة من النفايات كما تفعل عدة دول، وبذلك تتحول النفايات من مشكلة صحية وبيئية الى مورد إقتصادي. ومن أهم أقسام هذه الإدارة قسم التوعية والتثقيف والتدقيق البيئي.

  • إدارة الصرف الصحي والصناعي

مثلما هو الحال بالنسبة للنفايات الصلبة، فإن النفايات السائلة تنتج عن كل نشاطات الإنسان المنزلية والصناعية وبكميات كبيرة جداً يومياً ، وبالمثل فإن أي مدينة أو قرية دون إدارة صرف صحي هي مثل الإنسان المصاب بالفشل الكلوي وحبس البول – تتراكم السموم في جسده فتجعله مرهقاً قليل الحركة غير قادر على أداء واجباته اليومية.

وفي زماننا هذا اتجهت أغلب دول العالم الى الإستفادة من مياه الصرف الصحي في ري الأحزمة الشجرية ونشر الخضرة وتغذية الأحواض الجوفية وري المحاصيل الزراعية بعد التأكد من تنقيتها. أما حصاد المياه فقد أصبح من التقنيات المتطورة جداً عالمياً بحيث لا تهدر قطرة ماء من أمطار أو مصدر صناعي، خاصة وأن غالبية أقاليم الكرة الأرضية تعاني من نقص في الموارد المائية وربما تكون مُقْدمة على تنافس يؤدي إلى حروب المياه.

والمؤسف أن أغلب مناطق السودان ما زالت تعتمد على المراحيض البلدية للتخلص من النفايات الآدمية السائلة والصلبة، وفي هذا عبء صحي ثقيل على كاهل المجتمع وتخلف شديد عن ركب الحضارة الإنسانية. آن الأوان لبناء محطات تنقية لمياه الصرف الصحي والصناعي بمواصفات علمية عالمية والإستفادة من  المياه وكل المخلفات في أوجه التنمية المختلفة.

ماذا عن المواطن؟

على المواطن تسديد الضرائب والرسوم المحددة في القانون المحلي ولكن ليس لتمويل حزب أو أفراد وانما لتوفير هذه الخدمات الضرورية.

وعلى المجتمع المحلي ألّا يشغل البلديات والمجالس عن متطلبات مسؤولياتها واختصاصاتها بالأمور الثانوية التي تدخل ضمن مسؤوليات المواطن ذاته، والإبتعاد عن الاتكالية في الامور البسيطة التي يمكن للفرد القيام بها مثل متابعة تسرب ماء في الشارع، والابلاغ عن خلل في شبكة الصرف الصحي او ما شابه ذلك من الامور الثانوية التي يمكن للفرد القيام بها عبر شبكة التواصل الحكومي والاعلام عن الخلل والمساهمة في الاسراع باصلاح الخلل وتجاوز المشكلة في فترة وجيزة. أيضاً يجب مراعاة أن الإستجابة لمطالب المجتمع يحتاج لفسحة من الوقت وامكانيات يجب توفيرها ولا يمكن الإنجاز الفوري الا في حالات استثنائية.

ومن أولى الواجبات التي يجب على المواطنين القيام بها على المستوى المحلي في ظل الحكومة المدنية، إزالة التشوهات والتعديات على الشارع العام وعلى حقوق الجيران طوعياً وفقاً للقانون الذي يمنح كل مواطن متر ونصف فقط حول منزله للتشجير  أو للتعلية والتسوير للحماية من المياه وغيره. والتعاون في هذا الأمر سيساعد الحكومة في تحقيق العدالة وتطوير الشوارع بحيث تستطيع التخطيط لإدارة النفايات ولصرف أي مياه بصورة سلسلة.

أما فيما يخص التحديات، فمن المعروف ان البدايات في اي نشاط اياً كانت اهدافه وتوجهاته في حقل العمل التنموي والخدمي والاجتماعي والبيئي والانساني من الطبيعي أن تواجه مصاعب ومعوقات، بيد أنها تزداد تعقيدا حينما تصطدم بثقافة الجهل والحسد وتكسير المجاديف التي لا تخدم في محصلة الامر إلا أعداء الوطن، أعداء التقدم الذين يخططون لاعاقة الجهود التي تهدف الى احداث تحول نوعي في الواقع الحياتي والمعيشي للمجتمع للحفاظ على مصالحهم الخاصة، خاصةً على المستوى المحلي حيث تسيطر فئة قليلة على كل شئ وتوجه كل شئ لمصالحها.

وقد وجدت دراسة حديثة للأمم المتحدة في اطار محاربة الفقر وتقديم الخدمات للمجتمعات الفقيرة أن الشفافية والتوجيه السليم للدعم الذي تقدمه الحكومة للفئات الفقيرة ضروريتان لضمان نجاح برامج الدعم في تحقيق أهدافها المنشودة.

نسأل الله تعالى ان يوفق حكومتنا المدنية الى ما فيه رفعة بلادنا الى مصاف الدول المتقدمة ويحقق للإنسان السوداني في الريف والحضر حياة الكرامة والرخاء..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Thanks for submitting your comment!