نحو سودان أخضر (1-10) – تنمية الريف

أولاً: نسأل الله الجنة لشهداء البلاد الذين مهروا هذا التغيير المبارك بدمائهم وأرواحهم الطاهرة

وثانياً: نبارك للشعب السوداني الصامد الحكومة المدنية التي نأمل أن تكون على قدر التحدي وتعمل مخلصة كحكومة لكل السودانيين.

في هذه السلسلة من المقالات، أود أن أضع بين أيدي السلطة الجديدة بعض الأفكار والمعلومات التي توفرت لي خلال 4 عقود من العمل داخل السودان وخارجه. وفي البداية، ومن منطلق التخصص، أرجو تثبيت ثلاثة مبادئ أساسية لتحقيق التنمية المستدامة في السودان:

الأول: أن تنمية أي بلد مُعتمد على الموارد الطبيعية مثل السودان تبدأ من الريف وليس من المدينة ومن الأطراف وليس من المركز.  

والثاني: أن عماد التنمية الإنسان الصحيح العقل والنفس والبدن والمُسلّح بالمعرفة والثقافة.

والثالث: أن أساس الصحة “الوقاية” وأساس الوقاية “الصحة العامة” وأساس الصحة العامة “صحة البيئة وجودة الماء والغذاء” .. ثم تأتي الرعاية الصحية الأولية والجانب العلاجي لاحقاً في الأولوية.

وكمقدمة لهذا الطرح، دعونا نتفق أولاً على بعض المفاهيم العامة والأهداف الأساسية التي يجب أن نضعها نصب أعيننا دائماً. فالهدف العام الأساسي لعمل الحكومة يصب في تحقيق “أهداف التنمية المستدامة” التي اتفقت عليها دول العالم في العام 2015 ، وهي 17 هدفاً تغطي أولويات أي حكومة تسعى لتنمية السودان وترقيته. إذ أنها تستهدف 6 محاور تشمل: “1- العيش بكرامة” (محاربة الفقر) ؛ و”2- الناس” (تمتع الجميع بالصحة والمعرفة واشراك كل فئات المجتمع) ؛ و”3- الرخاء” (بناء اقتصاد معافى يشمل الجميع ويفضي الى تحول حقيقي) ؛ و”4- العدل” (المؤسسية واشاعة الأمان والسلام في المجتمع) ؛ و”5- الكوكب” (حماية النظم البيئية لصالح مجتمع الحاضر والمستقبل)؛ و”6- الشراكة” (التضامن الوطني والإقليمي والعالمي من أجل استدامة التنمية).

والتنمية المستدامة بمفهومها الشامل مثلث أضلاعه: كفاءة وشمولية الإقتصاد / والبيئة السليمة / والقبول الإجتماعي. وهنا نرى أهمية الشراكة والمشاركة بالنسبة لقطاعات المجتمع المختلفة لتحقيق الشمولية والقبول. وبالتالي يجب أن لا يكون مقياسنا لتعافي الإقتصاد هو الناتج القومي الإجمالي فقط، إذ أن ذلك المقياس يمكن أن يرتفع عن طريق فئة من الأغنياء ينتجون باستنزاف الموارد الطبيعية ويصدّرون بينما يكون المال دولة بينهم ولا يحقق للغالبية العظمى أي تنمية.

وبهذا الفهم العام والضروري ندخل في موضوعاتنا المطروحة

(1).

  • تنمية الريف     
  • (الحُكم العادل والفعّال ينطلق من الأطراف)

لم يجد الحكم المحلي حقه في السودان حتى اليوم برغم المبادرات والنظريات العديدة التي تم الإعلان عنها في الإعلام الرسمي خلال الحقب المختلفة من تاريخه. واستمرأت الحكومات المتعاقبة ترك أطراف البلاد لأهلها بقدراتهم البشرية والمادية الضعيفة واعتمادهم على اقتصاد الكفاف دون تنمية حقيقية. ومما ساعد على استمرار هذا الحال قدرة الاقتصاد المحلي في الريف على توفير حياة كريمة في حدها الأدنى معتمداً على موارد الزراعة والرعي المتوفرة، دون تطوير للنمط التقليدي ليواكب النمو السكاني والتغيرات البيئية. بل ظل المركز يستقطب الموارد البشرية المتميزة من الريف لتستقر في المدينة، ولاحقا صارت هذه الكفاءات تهاجر خارج البلاد عندما ضاق بها الحال في المدن نتيجة لشلل التنمية وانعدام فرص العمل.

وعندما حل بالبلاد حكم التمكين والتمييز الآيديولوجي والجبايات، التي لا يحكمها قانون ولا توظف لخدمة المواطن، والفساد المُقنّن، اختلت حتى موازين اقتصاد الكفاف ولم يعد قادراً على توفير العيش الكريم للمجتمعات المحلية، خاصة وأنه كان قد أرهقته عوامل بيئية قاهرة متمثلة في الجفاف والتصحر والتغير المناخي.

وعليه باتت نسبة عالية من الأسر، التي لا ينتمي أفرادها للتنظيم الحاكم، معتمدة في معيشتها وعلاجها وتعليمها على أبنائها المغتربين الذين ظلوا يقتطعون جزءاً كبيراً من مدخولهم، ويستقطبون الدعم من أهل الخير والمنظمات الإنسانية، لدعم أهلهم وجيرانهم والمجموعات الضعيفة عموماً. أما البقية فهم يعيشون على هامش الحياة يتطلعون الى ما في أيدي الآخرين أو يلجأون إلى أساليب غير قانونية وغير أخلاقية من أجل توفير لقمة العيش.

إن إنسان الريف الآن يضطر للسفر الى العاصمة أو الهجرة اليها لطلب العلاج أو التعليم أو حتى لخدمات الثقافة والترفيه، تاركاً أرضه وموارده البكر لمستثمرين أجانب يستغلون الفساد الإداري وشراء ذمم النافذين ويستهدفون الإنتاج المكثف غير المستدام على المدى القصير ولا يعنيهم إن تطلب ذلك استنزاف الموارد المحلية وتصحرها. وكلما أراد مواطن أن ينتج هو في أرضه أحبطته المحليات وثبطت همته بالجبايات المنهكة التي لا تترك له فرصة للربح.

إن تنمية الريف تتطلب استقرار السكان ، وهذا بدوره يتطلب توفر خدمات الصحة والتعليم والترفيه ، إضافةً إلى الدعم والإرشاد اللازم للإنتاج الزراعي والحيواني والغابي وآليات تطويره.

هذه الصورة المقلوبة لا يمكن تعديلها إلا إذا قمنا بتحويل التركيز من المركز إلى الأطراف وتحقيق التنمية الريفية المستدامة، اعتماداً على العمل البلدي. وهذا يعني أن البلديات (تحل مكان المحليات) هي التي تتولى وضع البرامج وتنفيذ الخطط والرقابة والتقويم وفق رؤية وطنية وخطة استراتيجية شاملة لكل البلاد تراعي التنوع والتوزيع الجغرافي للموارد الطبيعية والقدرات البشرية لكل إقليم. وهذا يعني أيضاً أن إختيار حكومات الأقاليم يجب أن يكون خاضع للتمحيص أكثر من الحكومة المركزية، إذ سيكون عليها الإعتماد في تحقيق إقتصاد قائم على الإنتاج المستدام وعدالة إجتماعية تضمن عدم تهميش أهل الريف ومحافظة على الموارد الطبيعية لضمان عطائها المستمر على المدى الطويل.

لا بد أن تتمتع الحكومات المحلية بالرؤية الوطنية والإرادة السياسية والكفاءة العلمية والإدارية لتحقيق التنمية المستدامة التي تنعكس إيجابا على كل البلاد وتضمن حقوق الأجيال الحالية وأجيال المستقبل في العيش الكريم.

ولأهمية العمل البلدي نوليه الحلقة الثانية لنتوسع فيه قليلاً ، إذ أن غيابه قد طال بعد رفع الحكومة يدها عنه لدرجة أن الكثيرين باتوا يعتقدون أنه مسؤولية المواطنين دون السلطات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Thanks for submitting your comment!